عبد الوهاب بن علي السبكي

23

طبقات الشافعية الكبرى

يشترط في المؤرخ الصدق وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى وألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة وكتبه بعد ذلك وأن يسمى المنقول عنه فهذه شروط أربعة فيما ينقله ويشترط فيه أيضا لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة علما ودينا وغيرهما من الصفات وهذا عزيز جدا وأن يكون حسن العبارة عارفا بمدلولات الألفاظ وأن يكون حسن التصور حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه وأن لا يغلبه الهوى فيخيل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبه والتقصير في غيره بل إما أن يكون مجردا عن الهوى وهو عزيز وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه ويسلك طريق الإنصاف فهذه أربعة شروط أخرى ولك أن تجعلها خمسة لأن حسن تصوره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف فيجعل حضور التصور زائدا على حسن التصور والعلم فهي تسعة شروط في المؤرخ وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في العلم فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه والقرب منه حتى يعرف مرتبته انتهى وذكر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف على كلام ابن معين في الشافعي وقول أحمد بن حنبل إنه لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول قلت وما أحسن قوله ولما عساه يطول في التراجم من المنقول ويقصر فإنه أشار به إلى فائدة جليلة يغفل عنها كثيرون ويحترز منها الموفقون وهى تطويل التراجم وتقصيرها فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا ثم يأتي إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه ويحذف كثيرا مما نقل من ممادحه ويجئ إلى من يحبه فيعكس الحال فيه ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في تأدية ما قيل